في البصرة ” تجارة موت ” لا تجد لها رادعاً

السرطان ينتشر جنوبي العراق .. والحكومة عاجزة عن معالجة اليورانيوم المنضب

البصرة – عمار الصالح

لن يقدّر لـ ” ليلى محمد ” قراءة هذا التحقيق، مع أنها كانت أحد مصادره، لأنها تحولت إلى رقم في قائمة وفيات مركز السيطرة على السرطان (البصرة) المسجلة لهذا العام، تاركة زوجها “كاظم ناصر” من دون أبناء ، لأن السرطان تمكن من جسدها كله في “خريفها” الرابع والثلاثين.

 يقول كاظم: “بعد سنة ونصف من زواجي في 2006 اكتشفنا أن زوجتي مصابة بسرطان الثدي الذي استوجب سلسلة علاجات انتهت باستئصال الثدي المصاب. غير أن حالتها الصحية، لم تتحسن. وأخبرني الطبيب المعالج أن حالتها باتت حرجة ولا تستجيب للعلاج وان أيامها باتت معدودة، وبالفعل توفيت خلال شهر بعد أن اقتات السرطان أحشاءها”.

 زوجة كاظم ناصر، واحدة من آلاف ممن لم يشاركوا في جبهات القتال في حرب الخليج عام 1991 لكنهم أصيبوا بأورام سرطانية مختلفة في محافظات البصرة، وذي قار وميسان منذ الثلث الأول من تسعينيات القرن الماضي.

 ويؤكد مختصون في مجال حماية البيئة تنامي الأعداد “الرهيب” جراء انتشار “التلوث الإشعاعي الخطير” الناجم عن استعمال أميركا وقوات التحالف ذخائر مصنعة من اليورانيوم المنضب ضد أسلحة الجيش العراقي الثقيلة آنذاك و التي نقلت من حفر الباطن إلى داخل المدن بعد 2003 سنة الاحتلال.

 وما زاد في عمق المأساة وتنامي الإصابات سببان، الأول أن سلطة الاحتلال عمقت الأزمة وحركت الإشعاعات في الجو والإنسان بمحاولتها طمس الحقائق بعد أن سمحت عام 2004 بتقطيع وبيع الآليات العسكرية المعطوبة من الحروب السابقة، والثاني أن عراقيين حركوا الموت من جبهات حفر الباطن بنقلهم الآليات والقطع العسكرية إلى أقضية ونواح وأحياء مختلفة من البصرة مثل أبو الخصيب والفاو و القرنة والدير والزبير ومنطقة “الحيانية” والتي ما زال العمل يتواصل فيها ببيع سكراب الحديد ومخلفات الآليات العسكرية مع أنها في مركز المحافظة، (انظر الوثائق المرفقة بالتحقيق).

 ”ليلى محمد” تركت قضاء المديّنة شمال البصرة لتقطن مع زوجها في حي العباس، الذي كان موقعا لجمع (سكراب) الحديد والآليات العسكرية التي عولجت باليورانيوم المنضب. ومن هنا تركت خلفها سؤالاً يتأرجح بين هل أنها أصيبت بالسرطان بعد انتقالها إلى الحي الجديد، أم أنها كانت قد أصيبت به قبل زواجها وانتقالها إلى الحي، سيما أن جنوبي العراق شهد ما لم تشهده أي منطقة في العالم فيما يتعلق بسرطان الثدي، ونعني به الإصابة المبكرة، بل المبكرة جداً.

يقول الدكتور “جواد العلي” المختص في معالجة الأورام السرطانية بمحافظة البصرة وعضو مجلس السرطان في العراق: ” الإصابات السرطانية التي تعاملنا معها منذ الربع الأول من سنة 1994 وحتى الآن غريبة جداً ومتنوعة. مثلاً، سجلت حالات إصابة بسرطان الثدي لفتيات لم يتزوجن ولم تبلغ أعمارهن الخمسة عشر سنة، كما أشرنا ظهور حالات مرضية جديدة منها تعدد الإصابات السرطانية في الشخص الواحد وكذلك ظهور إصابات بين أفراد العائلة الواحدة”. هذه “حالات غريبة تشكل مفارقات لم يعهدها الطب سيما أنها تزامنت مع ارتفاع نسبة التشوهات الخلقية لدى حديثي الولادة. ومع الارتفاع الكبير في أعداد المصابين بالسرطان، ذلك الارتفاع الذي حيرنا في بداياته، فخلال عقد التسعينيات كان سرطان الثدي يسجل سنويا 70 حالة، أما الآن فيسجل 300 حالةً”.

ويذكر الدكتور “كريم عبد السادة” مدير مركز السيطرة على السرطان في البصرة: “أن ارتفاع أعداد المصابين، رافقته غرائب ومفارقات مرضية ، ففي سنة 2005 استقبل مركز السيطرة على السرطان 500 حالة ، بينما كان عدد حالات السرطان المسجلة لمجمل عقد التسعينيات (1160) حالة ، وبما يعني أن ما يقرب من نصف ما سجل في 10 سنوات، حدث في سنة واحدة”، وفي العامين الفائتين “تسارعت الزيادة على نحو خطير؛ إذ سجل المركز 2082 مصابا في 2009 (أربعة أضعاف المرضى في 2005)، فيما قفز الرقم إلى 2538 في 2010، أي أزيد من ضعف ما رصده المركز خلال عقد التسعينيات”.

هذه الإحصاءات شملت الذين راجعوا مركز السيطرة على السرطان فقط ، أو الذين قدر لهم أن يعرفوا أنهم مصابون بالسرطان في البصرة. أما في محافظتي ميسان وذي قار فإن المسؤولين المحليين يؤشرون تنامي ظاهرة الإصابات السرطانية بالاستناد إلى أعداد المرضى الذين يقصدون بغداد للعلاج، لكن من دون تحديد أعدادهم بسبب افتقار المحافظتين إلى مراكز علاجية وسجلات.

ومن حديث الدكتور “رياض عبد الأمير” مدير عام دائرة صحة البصرة ومصابين، نعرف أن هناك من فارق الحياة من دون مراجعة المركز أو مستشفيات البصرة.

 يقول الدكتور عبد الأمير: “تواجهنا مشكلة كبيرة تتمثل في اكتشاف المرض متأخرا لأن أعراض غالبية أنواع السرطان، لا تظهر إلا بعد انتشاره ووصوله إلى حال متقدمة يصعب علاجها”.

تشخيص بأثر رجعي

من جانبها تتحدث “رسمية رسن” عن خطأ في تشخيص مرض والدها وسبب وفاته في مستشفى الموانيْ في حزيران 1994. “أخبرونا وقتها أن الوفاة نجمت عن رواسب مائية في الرئتين، تسببت في عجزهما. لم نكن نعرف باليورانيوم المنضب والسرطان وقتها. لكننا وبعد وفاة عدد من معارفنا في منطقة أبي الخصيب والبصرة بالمرض ذاته، وبعد إصابتي بذات الأعراض التي أصابته عرفنا انه توفي بالسرطان”.

 ”حمزة مشعل” المصاب بالسرطان في مراحله المتقدمة يقول: “رغم معرفتي بأني قد لا أجد العلاج المطلوب وأن الأدوية قد لا تمهلني طويلا، فإنني راجعت مستشفى العمارة وبعده مركز الإشعاع الذري في بغداد، لأني لم أرد أن اتعب أهلي كما أتعبهم أخي الذي كان يعاني ما أعانيه الآن، قبل موته عام 1998 قبل أن يتم عامه الـ 40، بخاصة وانه كان يائساً من توفر العلاج والأدوية”.

 أما “جاسب سرحان” فيختصر معاناته بسؤال:” ما جدوى العلاج وأنت تعرف انك ميت لا محالة؟ إعطوني إسماً واحداً لشخص عولج من السرطان وشفي منه”؟

علاج السرطان يتطلب أموالا وأدوية وعلاجات لا تتوافر لغالبية العراقيين، رغم رفع الحصار عن بلادهم قبل ثماني سنوات

 مدير عام دائرة صحة البصرة شاهد ملك على الموت المتربص بآلاف المواطنين. يقول الدكتور عبد الأمير: “حالات السرطان بالمحافظة تتزايد والتوزيع الجغرافي يبين أن هذه الحالات متساوية بين المناطق. وهذا يضعنا أمام مشاكل منها عدم توافر كامل أدوية سرطان، إذ أن نسب توفير العلاج يتأرجح بين (80-85 %)”، وفق تخصيصات الوزارة. كما أن العلاج بالإشعاع معدوم في البصرة ويتطلب بناية إضافة إلى توفير الأجهزة والكوادر المتخصصة، من اجل علاج السرطان”.

 لننتبه هنا، فعبارة وفق تخصيصات الوزارة تعني أنها إذا لم تكن بالمستوى المطلوب، فإن المسرطن في العراق لن يجد علاجه، لأن السرطان يحتاج علاجاً كاملا يجتثه. فكيف سيكون الحال وعلاج السرطان يتطلب أموالا قدر الأميركيون أنفسهم أنها ستكون معضلة على العراقيين؟

 في برنامجه “سري للغاية” الذي بث في 9 / 11 / 2000 عبر فضائية الجزيرة يكشف الصحفي المصري “يسري فوده” أن العراقيين سيعجزون عن معالجة الكارثة التي حلت بهم، بعد أن أعيت الحيلة الأميركيين أنفسهم في تنظيف بعض معداتهم الحربية من التلوث الإشعاعي باليورانيوم المنضب. وعندما قاس الأميركيون نسب الإشعاع في مدرعاتهم، قبل إعادتها إلى الولايات المتحدة، وجدوا أن ستاً منها “ملوثة للغاية”، ومن هنا غلفوها بأغطية، ودفنوها في السعودية. كما غلفوا بعضها الآخر بأغطية أيضاً وأعادوه إلى أمريكا، حيث أنفقت الحكومة أربعة ملايين دولار على مشروع في ولاية كارولاين الجنوبية لتنظيف القطع المعادة.

 

 في البرنامج نفسه يجسد “دوغ روكه” – رائد سابق في الجيش الأميركي عين مديراً لمشروع اليورانيوم في وزارة الدفاع الأميركية لسنتي 1994 –  1995   عمق المأساة حين يقول: “وزارة الدفاع الأمريكية تكلفت مشروعاً بملايين الدولارات عمل فيه فيزيائيون ومهندسون مدربون مدة ثلاث سنوات لتنظيف أربع وعشرين دبابة ملوثة باليورانيوم المنضب، ماذا يمكن للعراقي المتوسط أن يفعل بآلاف من المدرعات المدمرة المنتشرة عبر الصحراء في كل المناطق”؟

تجارة الموت تطمس الجريمة وتحفز الإشعاعات

 الباحث البيئي العراقي “خاجاك فروير وارتانيان” يرسم بالوقائع والأرقام صورة واقع البلاد القاتمة، ويكشف محاولات لطمس أدلة الجريمة. فبعد أسبوع على توقف العمليات العسكرية في حرب 2003 توجه وارتانيان لتحديد الأهداف العسكرية التي قصفت بقذائف اليورانيوم المشع في البصرة وتأشيرها بدلالات لمنع الاقتراب منها أو العبث بها. حتى عام 2004، سجل (73) هدفاً في مدينة البصرة وخارجها، أبلغ بها دائرة بيئة البصرة لتتخذ إجراءاتها بشأنها من النواحي الإجرائية والقانونية، بخاصة أنها حديثة وفي مناطق تختلف عن المواقع التي تلوثت خلال حرب الخليج الثانية 1991 (الموزعة غرب البصرة)، ولم يتم العبث بها لأن المنطقة كانت تحت إشراف الأمم المتحدة في تلك الفترة ولأن الحكومة السابقة تحرم التعامل بالمعدات العسكرية لا سيما غير المعالجة منها”.

 ويخبر “خاجاك وارتانيان” كاتب التحقيق:”سجلت 100 هدف كلها ضربت بذخائر اليورانيوم المنضب. ولم أتمكن لاحقا من تحديد بقية الأهداف لأن سلطة الائتلاف المؤقتة في العراق أقرت في عام 2004 مشروع (مايك اوشاي)، وهو قانون أجاز لكل مواطن حق جمع وتصدير المخلفات العسكرية والسكراب دون تحديد نوعها أو كيفية تداولها. وهذا القرار شجع تجارا ومواطنين على تقطيع الآليات العسكرية المدمرة، سواء المصابة بقذائف اليورانيوم أم غيرها من مختلف مناطق القتال وجمعها في المناطق الشعبية بالمدينة قريباً من محلات سكناهم”.

 ويضيف أن “هذا المشروع الغريب كان يهدف في حقيقته إلى محو جميع الأدلة التي تثبت استخدام قوات التحالف قذائف اليورانيوم خلال حربها على العراق عام 2003 كون القائمين على مشروع “مايك أوشاي” كانوا على معرفة مسبقة بأن الآليات العسكرية المنتشرة في البصرة دمرت بقذائف اليورانيوم”. ورغم قيام مدير المختبرات الإشعاعية في الجيش البريطاني بالبصرة العقيد “ديفيد سميث” بإجراء مسح على الأهداف الملوثة عام 2004 في عدة مناطق بالبصرة، فإن العمل استمر بمشروع “مايك اوشاي”، الرجل التابع لسلطة الائتلاف المؤقتة والذي وقع على بيع السكراب والمخلفات الحربية”.

 وارتانيان قال أيضا إن: “كل الأهداف التي مسحت اختفت بعد تقطيعها وانتشرت في مواقع سكراب للحديد وراح عدد المواقع المشعة يتزايد جراء تحريك ونقل أجزاء وقطع الآليات العسكرية الملوثة من مكان إلى آخر عن طريق بيع وشراء هذه المواد”.

 ويشير وارتانيان إلى أن: ” المواقع الملوثة بالإشعاعات داخل المناطق السكنية تتسبب بارتفاع حالات الإصابة بمرض السرطان وكان لها تأثير واضح في ارتفاع نسبة التشوهات الخلقية عند حديثي الولادة. فالدراسات تظهر أن غالبية المصابين بالأمراض الناجمة عن التلوث الإشعاعي يسكنون مناطق قريبة من مواقع التلوث سيما في قضاء الزبير وأبو الخصيب والقرنة والأحياء الشعبية في مركز المحافظة. وهذه المناطق تحتوي على المواقع التي تعرضت إلى قصف بذخائر مصنعة من اليورانيوم أو نقلت إليها أجزاء ملوثة من الآليات العسكرية للمتاجرة فيها دون معرفة مدى خطورتها التي تكمن في أن مدى تأثير المواد المشعة المنبعثة من اليورانيوم المنضب يصل إلى خمسة بلايين سنة. كما أن لها قابلية الانحلال والتفاعل مع المواد الأخرى ويتعرض الإنسان إلى أضرارها من خلال ملامسة الأجزاء الملوثة بها أو استنشاق الغازات الصادرة عنها”.

ويؤكد “ليث الصالحي” رئيس منظمة أطفال السرطان بالبصرة- هيئة مدنية – ما ذهب إليه وارتانيان. ويضيف الصالحي: “لاحظت المنظمة تنامي حالات الإصابة في أحد شوارع منطقة القبلة في البصرة، حيث تعرض 16 مواطنا يسكنون منازل متفرقة في الشارع ذاته إلى مرض السرطان خلال فترات متفاوتة”. هذا الشارع الذي يضم 30 منزلا “تعرض إلى قصف مدفعي أثناء دخول قوات التحالف إلى مدينة البصرة عام 2003، وهو ما يفسر حدوث إصابات سرطانية لأهالي الشارع دون سواهم من أبناء المنطقة”، حسبما يشرح الصالحي.

وخلصت نتائج استبيان وزعه كاتب التحقيق على 412 مواطناً يسكنون (60) منزلا في حي العباس بالبصرة – الذي يضم ملوثات باليورانيوم المشع – إلى وجود (11) حالة سرطان مثبتة لأعمار مختلفة من بينها (ليلى محمد) التي توفيت قبل استكمال التحقيق. هذا يعني أن ما يقرب من 3 بالمائة من هؤلاء السكان مصابون بالسرطان.

“قيس حامد” (42 سنة) أحد ضحايا المواقع المشعة في البصرة مصاب بسرطان الدم منذ 2007، يقول: “نتيجة عدم توفر فرص عمل مناسبة عملت حدادا لمدة سنة تقريبا في احد مواقع تقطيع الآليات العسكرية المقصوفة في منطقة أبي الخصيب، لغرض الاستفادة من أجزائها وتسهيل مهمة رفعها. خلال تلك الفترة أجريت فحوصا طبية بعد تدهور وضعي الصحي أثبتت إصابتي بسرطان الدم”.

أميركيون يذعنون للحقيقة

في حوارنا معه، بيّن الدكتور “جواد العلي” عضو مجلس السرطان في العراق أن:” انتشار السرطانات بشكل متساو في كل مساحة البصرة يعني أن جميع مناطق المحافظة ملوثة بالمستوى ذاته من التلوث الإشعاعي”. وهذا يعني أيضاً أن التلوث الإشعاعي وزع “سخاءه السادي” بكثرة أيضا فيما يتعلق بالتشوهات الخلقية والولادية. إذ يبين الدكتور العلي أن “المعدل الطبيعي للتشوهات الخلقية يقدر بولادة مشوهة واحدة لكل 1500 ولادة دوليا في حين تصل النسبة حاليا إلى (21) حالة تشوه لكل 1000 حالة ولادة في البصرة “.

يؤشر الدكتور “مسطر اللامي” المختص في شؤون التلوث الإشعاعي بجامعة البصرة مخاطر أخرى، حين يقول: “تأثيرات إشعاعات اليورانيوم ساهمت في تنامي ظاهرة العقم. فهنالك العديد من هذه الحالات في البصرة، ومن التأثيرات الأخرى التي رصدت لأشخاص تعرضوا إلى إشعاعات اليورانيوم بشكل مباشر ثبت حدوث إجهاض متكرر لدى الحوامل والولادات الميتة وتعفن الأسنان وتساقط الشعر”.  وهذا يؤكده استشاري أمراض التوليد والعقم في مستشفى ابن غزوان بالبصرة، الدكتور “عبد الكريم حسين جبر”: “حالات التشوهات الخلقية سجلت زيادة منذ عام 1995. ففي السابق كانت تحصل حالة ولادة مشوهة كل شهرين لكن بعد هذا التاريخ ازدادت بشكل ملحوظ وبتشوهات غريبة تحدث لأول مرة. كما زادت حالات العقم أيضا. وهذا الارتفاع يعود إلى الأسلحة التي استخدمت خلال الحروب التي تعرض لها العراق والتغيرات البيئية التي رافقتها”.

في سنة 2008 عقد مؤتمر في البصرة بحضور أميركيين طرحت خلاله قضية المواقع المشعة ضمن عدة بحوث، حسب خاجيك وارتانيان الذي يضيف أنها:”أكدت كلها أن القوات الأميركية تسببت بها جراء استعمال ذخائر اليورانيوم المنضب. ولما نفى الأميركيون حصول مثل هذه المخاطر، سلمتهم خرائط لهذه المواقع وطلبت منهم الكشف عليها. وبعد شهر من ذلك طلبت لقاءهم، وهنا اعترفوا بوجود مواقع ملوثة لكنهم ادعوا أنها لا تؤثر على صحة الإنسان. ولكن في اللقاء الثاني وبعد قراءتهم لبحوث أجريناها ومقارنة معدل الإشعاع في البصرة والمسموح به في الولايات الأمريكية تغير التوجه الأميركي نحو التخلص من الأهداف وتحديد مواقع للطمر واخترنا منطقة خضر الماي وخرانج (180 كم غرب البصرة) لتكون موقع لتجميع القطع الملوثة”.

وفي أكتوبر 2009 بدأ مشروع نقل الأهداف الملوثة باليورانيوم من البصرة، بتمويل فيلق الإعمار الأمريكي وبإشراف وزارتي البيئة والعلوم والتكنولوجيا. ونقلت (200 طن)، حسب مدير بيئة المنطقة الجنوبية “طه القريشي” الذي قال أن ” هذه العملية أدت إلى رفع جميع المواقع الملوثة من داخل مركز مدينة البصرة”.

ولكن، وبحسب وارتانيان، توافرت عوامل عدة “لوأد المشروع بعد عام على انطلاقه، منها تدخل مسؤولين في البصرة بعملية إخلاء بعض المواقع لارتباطهم بعلاقات مع أصحاب مواقع تجميع سكراب الحديد وتخلي الأمريكان عن دعم المشروع بعد أن لمسوا ضعف قرارات الحكومة المحلية فضلا عن بدء انسحاب القوات الأمريكية من البصرة، وعدم توفير الحماية المطلوبة لمواقع الطمر ومراقبتها في موقع التجميع. وجد وارتانيان ورفاقه خلال تفقدهم الموقع أن الأهداف التي “بذلنا جهوداً كبيرة للتخلص منها تم تقطيعها وسرقتها”. ومن بين القطع المسروقة، أبراج دبابات جرى تقطيعها بشكل هندسي لتستخدم في معامل تكسير الحصى وكذلك أبدان ناقلات مدرعة قطعت كصفائح لصنع السيارات المصفحة”.  المفارقة أن انعدام الرقابة جعل التواطؤ يضرب أطنابه في البصرة بخاصة أن عمليتي التقطيع والسرقة تطلبتا عمالاً محملين بأجهزة وآلات قطع لا يمكن أن تعمل من دون مولدات كهربائية. كما استوجبتا آليات كبيرة ورافعات لرفع الأجزاء الضخمة من اجل تقطيعها لنقلها بالشاحنات إلى حيث يسكن المتعاملون بها.

 تناقض صارخ

 وأكثر من هذا. ورغم خطورة القضية، إنطوت تصريحات بعض من شملهم هذا التحقيق على تناقضات ومفارقات تكشف غياب العمل بروح الفريق الواحد كما تكشف أن تحريك اليورانيوم ونقله كانا من الأسباب المباشرة في زيادة الإصابة بالسرطان وتناميها. ففيما يصف وارتانيان عملية نقل الملوثات ب”الناجحة”، يختلف معه الدكتور مسطر اللامي المتخصص بشؤون التلوث الإشعاعي في جامعة البصرة، إذ يرى أن “عمليات نقل سكراب الحديد الملوث لم تجر بالطرق العلمية الصحيحة. ولم تكن لها إستراتيجية واضحة بل اعتمدت أساليب خاطئة، منها استخدام عمال وقتيين في نقل هذه المخلفات دون مراعاة لخبراتهم أو توفير واقيات لسلامتهم الصحية. وأدى ذلك إلى حصول تلوث في المناطق القريبة من تلك التي المواقع التي نقلت اليها ومنها الأهداف الملوثة وهو ما رصد خلال عمليات الكشف التي جرت بعد نقل المخلفات “.

 وارتانيان اختلف أيضا مع طه القريشي، مدير البيئة. ففيما يرى الأخير أن مشروع نقل الملوثات أدى إلى نقل كل الأهداف الملوثة خارج البصرة وبنحو تبدو معه القضية وكأنها انتهت، يؤكد الأول أن:” هنالك الكثير من العمل في ملف المواقع المشعة إذ أن عمليات الكشف والمسح التي تجريها فرق دائرة بيئة البصرة لم تشمل سوى (20%) من مناطق محافظة البصرة وقرابة (50%) للمؤسسات الحكومية وهذا العمل يقوم على أساس ما يتوفر من إمكانيات مادية، كما أن الموقع الذي خصص للتخلص من المخلفات الملوثة يعتبر موقع تجميع وليس موقعاً للطمر لان إنشاء موقع لطمر النفايات الملوثة يتطلب إستراتيجية الدولة وليس من صلاحيات الحكومة المحلية “.

 ويختلف مع القريشي أيضا مسطر اللامي، ويذهب إلى ابعد مما ذهب إليه وارتانيان حين يقول أن: ” إزالة هذه الأهداف والمواقع الملوثة تتطلب جهداً دولياً كبيراً وتضافر جهود مختلف المنظمات الإنسانية وتخصيص أموال طائلة لا تستطيع الدولة العراقية بظرفها الراهن تحمل نفقاتها، كما ينبغي طمرها في محرمات مراقبة حتى يحين وقت إزالتها” .

المجتمع الدولي..مطلوب للمواجهة

 في تقريره لسنة 1992، قدر مكتب السكان الأميركي بعد دراسة ميدانية في العراق أن عمر الإنسان العراقي قد هبط ما مقداره (20) سنة للرجال و(11) سنة للنساء، وان المسؤول عن هذا الهبوط في معدل الأعمار هو التلوث الإشعاعي جراء استعمال اليورانيوم المنضب الذي يتذكره العراقيون وتنساه الحكومة.

 العراقيون والبصريون خصوصا يعدون صمت المسؤولين عن هذه الكارثة، مشاركة منهم فيها وعلى الذين يتصدون للحكم الآن معالجة التركة الأميركية مع الأميركان والمجتمع الدولي الذي تحالف معهم وشاركهم جريمة إصابة العراقيين بسرطان الغدد الليمفاوية- الدم- الرئة- الجهاز الهضمي – الخصية- العظام- البنكرياس- الغدد اللعابية – الكبد، مع ظهور حالات مرضية غريبة كالتشوهات الخلقية للأجنة بوجود أعضاء إضافية، أو ضمور بعض الأعضاء وولادات حية برأس منتفخ ومتورم مع إصابات في العين وظهور حالات من التوائم المنغولية غير الطبيعية إضافة إلى تشوهات العظام وحالات الصداع الشديد وأمراض العقم غير المفسرة لكلا الجنسين وزيادة حالات الإسقاط والولادات الميتة والمبكرة وعسر الولادة، والوثائق المرفقة بالتحقيق تتضمن مخاطبات رسمية تعترف بأهداف مشبعة بالإشعاع يحركها مواطنون داخل المناطق والأحياء السكنية وينقلونها من مكان إلى آخر.

جدير بالذكر:

• يعتزم الصحفي البريطاني توني ستارك إنتاج قصة تلفزيونية عن ضرب العراق باليورانيوم لواحدة من كبريات الوكالات العالمية اعتماداً على هذا التحقيق.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: